علي الهجويري

66

كشف المحجوب

كما أن الحسن البصري ومالك بن دينار وسفيان الثوري كانوا يلبسون المرقعات ، وروى عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان - وجاء ذلك في تاريخ طبقات المشايخ لمحمد بن علي الحكيم الترمذي - أنه كان يرتدى أول الأمر ملابس من الصوف وأوشك أن يعتزل العالم فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في منامه يقول له : « يجدر بك أن تحيا وسط الناس فبك ستحيا سنتي » وعندئذ رجع عن العزلة ولكنه لم يلبس قط ملبسا ذا قيمة . وكان داود الطائي من المتصوفين الحقيقين ، وكان يدعو إلى لبس الصوف . وذهب إبراهيم بن أدهم إلى الإمام الجليل أبي حنيفة لابسا رداء من الصوف ، فنظر إليه تلاميذ الإمام نظرة المحتقر المستنكر ، إلى أن قال أبو حنيفة : لقد جاء سيدنا إبراهيم بن أدهم فقال أتباع الإمام : إن الإمام لا يقول هزلا ، فكيف نال هذه السيادة ، فأجاب أبو حنيفة : بمواصلة العبادة فقد اشتغل باللّه واشتغلنا بأنفسنا فأصبح سيدنا . وقد يحدث في عصرنا هذا أن يرتدى بعض الناس ثيابا مرقعة من أجل الشهرة والصيت ، وعلى الرغم من أن قلوبهم تكذب مظهرهم فليس هناك للجيش إلا قائد واحد . والصادقون في كل فئة قليلون ، ومع ذلك فإن الناس يعتبرون الصوفي كل من تشبه بالصوفية ، حتى وإن كان ذلك في صفة واحدة من صفاتهم ويقولون إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد قال : « من تشبه بقوم فهو منهم » « 1 » وإذا كان بعض الناس لا يهتمون إلا بظاهر أعمالهم فان الآخرين يوجهون كل اهتمامهم إلى الصفاء الباطني . ولا يخرج من يريدون الارتباط بالمتصوفين عن أربعة أصناف : 1 - من أعانه صفاؤه واستنارته ودقة إدراكه واتزان طبعه وحسن أخلاقه على أن يتبصر بما في قلوب المتصوفين ، بحيث يدرك مدى اقتراب رجالهم من اللّه ، ومدى ارتقاء الطاهرين منهم ، فيتصل بهم بغية الارتقاء إلى نفس المكانة ،

--> ( 1 ) ورد في بستان العارفين ص 119 .